الشيخ محمد الصادقي الطهراني

76

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

عَنِيدٍ » وبينهما استفتاح من أولاء ومن هؤلاء وأين استفتاح من استفتاح ؟ . . . كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) يَتَجَرَّعُهُ وَلايَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ( 17 ) . « كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ » إذا مات جبارا عنيدا ، ولماذا « مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ » و « عَذابٌ غَلِيظٌ » وهما أمام كل جبار عنيد حيث يستقبلونهما في مسيرة الحياة ومصيرتها ؟ علّه لأنهم يستدبرونهما ايمانا إذ هم بهما كافرون ، مهما يستقبلونهما كواقع ، فجاء التعبير بالواقع المختار كما يزعمون دون الواقع على أية حال . ثم « من وراءه » لا تخص وراء الأخرى ، بل والأولى ، فإن جهنم الحياة هنا هي من وراء ما يعتقدون وما يعملون خلفيّة لا حول عنها إلا بحول اللَّه وقوته ، فالجبار العنيد يعيش جهنم الحياة ويعيّش من تحت وطأته إياها في الحياتين : « وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى . . » ف « من وراءه » هنا وهناك ، تعني مخلفات وراء تخلفاتهم ، سواء أكان لهم في مثلث الحياة ، أم والآخرين حيث العمليات الكافرة تظلم الجو على عائشيه : « إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا » ( 76 : 27 ) ( وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » ( 23 : 100 ) ( مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلايُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً » ( 45 : 10 ) . فلان الناكرين للقيامة يجعلونها وراءهم نكرانا ، وهم مقبلون إلى الدنيا وشهواتها ، فجاعلون الأخرى وراءهم يوما ثقيلا ، لذلك نرى القيامة لهم - لا للمؤمنين - وراءً ، فهم في دنيا الحياة في وراء وعراء . فالوراء - إذاً - قد تكون الواقع الذي لا حِوَل عنه ولا حول في إيجابه أو سلبه ، والحياة الحساب ليست وراءً بل هي أمام ، وقد تكون حياة الحساب حسب العقيدة والعمل الصالح لها ، فهي وراء لمن لا يعتقدها ولا يعمل لها ف « يَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا » وهو أمامهم في الواقع ، ونرى الوراء في الحياة الحساب تختص في آياتها بناكريها دون المؤمنين فإنها لهم أمام .